حيدر حب الله
17
بحوث في فقه الحج
بمخارج الحروف في الصلاة على حساب حضور القلب ، وكأن عمود الدين يكمن فقط في التلفظ الصحيح بالكلمات وفي جعل تركيز الإنسان كلّه في كيفية إخراج الألفاظ من مخارجها وما شاكل ذلك ، وقد أشار الإمام الخميني ( 1410 ) إلى هذا الأمر في إفاداته الأخلاقية والعرفانية « 1 » . وإذا أردنا أن نتعمّق أكثر في هذه النقطة ، نحاول أن ندخل إلى الهيكلية التي جاءت في الفقه الإسلامي لأداء فريضة الحج ؛ ففي الفقه الإسلامي بمذاهبه اليوم ، وعلى غالب الآراء ، يمكن للإنسان أن يذهب إلى الحج دون أن يتزوّد روحياً ومعنوياً منه ؛ فلا يجب حضور القلب في أيّ فعلٍ من أفعال الحج ، ويمكن للحاج أن ينام طيلة الوقت في عرفة والمزدلفة ومنى ؛ بل بإمكانه أن يقضي وقته بالمسامرات والضحك واللهو واللعب والتسوّق دون أن يبطل حجه أو حتى أن ينخدش . . . إن خلوّ العديد من الكتب الفقهية من البُعد الروحي للحج ومن ثم عدم تحرّك الرسائل العملية لتنشيط هذا البعد الهام ، ترك ويترك الكثير من الأثر على أن يصبح المتشرّعة والمتديّنون مستغرقين في قضايا من نوع وضع الكعبة على اليسار دائماً وأمثال ذلك . بينما لو نظرنا إلى القرآن الكريم لوجدنا التركيز على ذكر الله تعالى في الحج كذكرنا آباءنا أو أشدّ ذكراً ، وقد استعرضنا في هذا الكتاب - والحمد لله - هذا الموضوع في دراسة فقهية مستقلة متواضعة ؛ لتأكيد أن الذكر الكثير لله تعالى في الحج فريضة وواجب ، وعلى الإنسان أن يعيش الذكر الإلهي في هذا السفر العظيم إلى الله تعالى . . . دون أن يكلّف الناس ما لا يطيقون أو أن نطلب منهم أن يصبحوا عرفاء وفلاسفة في عيشهم للحج ودركهم لرسالته ومعانيه السامية . من هنا ، تكمن الضرورة في إعادة ترتيب البحث الفقهي والرسالة العملية الفقهية بما يخدم مقاصد الحج ورسالته المعنوية الكبرى ، وأن لا نضع هذه المسؤولية فقط على عاتق الوعّاظ وعلماء الأخلاق الذين لم يقصّروا في محاولاتهم العديدة لاستخراج
--> ( 1 ) . انظر : الآداب المعنوية للصلاة : 362 .